أين الله؟

مجهولون asked 3 سنوات ago

أين الله أرجو توضيح الاجابة

1 Answers
محمد بن شمس الدين المشرفين answered 3 سنوات ago

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
 
فقد طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال على إحدى الصحابيات، فأجابته قائلة “في السّماء”، وشهد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإيمان.
 
فأقول في تفصيل المسألة:
 
أولاً: فيجب أن تعلم أن مصدر معرفتنا لله عز وجل وصفاته هو كتابه وسنّة نبيّة، فلا يجوز لإنسان أن يخرج عن هذين الأصلين لا برأي شخصي ولا برأي أحد من الناس، بل الواجب هو الإيمان بما جاء كما جاء.
 
ثانيا: جاءت الأدلة من الوحيين إلى أن الله تعالى في السماء مستوٍ على عرشه، من غير كيفٍ نعلمه، وغير مثيل يماثله سبحانه، منها:
 
1- قوله تعالى: (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ) [الملك:16]، و معنى (من في السماء) قال ابن عباس : أأمنتم عذاب من في السماء إن عصيتموه، ومما يؤكد قولنا بأن (من في السماء) هو الله، قوله تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ..} [النحل:45] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ) ، وقوله (يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) 
 
2- الحديث الذي دلّلتُ عليه في أول الجواب، عن معاوية بن حكم السلمي قال: (وكانتْ لي جاريةٌ تَرعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّةِ . فاطَّلَعتُ ذاتَ يومٍ فإذا الذيبُ [ الذئبُ ] قد ذهَب بشاةٍ من غنمِها . وأنا رجلٌ من بني آدَمَ . آسَفُ كما يأسَفونَ . لكني صكَكْتُها صكَّةً . فأتَيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فعظَّم ذلك عليَّ . قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! أفلا أُعتِقُها ؟ قال ائتِني بها فأتَيتُه بها . فقال لها أينَ اللهُ ؟ قالتْ : في السماءِ . قال مَن أنا ؟ قالتْ : أنت رسولُ اللهِ . قال أَعتِقْها . فإنها مؤمنةٌ) رواه مسلم (537) واللفظ له، ورواه مالك في موطأه (1443)، وأبو داود (3282) وسكت عنه، وقال كل ما سكت عنه فهو صالح ، والنسائي (1218)، وابن خزيمة في التوحيد (283/1) وأشار في المقدمة أنه صح وثبت بالإسناد الثابت الصحيح.
 
3- في حادثة أخرى رواها أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال يا رسول اللهِ إن علي رقبة مؤمنة فقال لها أين الله فأشارتإلى السماء بأصبعها فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء يعني أنت رسول اللهِ فقال أعتقها فإنها مؤمنة) رواه أبو داود (3284) وسكت عنه، وقال كل ما سكت عنه فهو صالح ، وأحمد في مسنده (15/31) وصححه أحمد شاكر
 
4- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) رواه الترمذي (1924) ، وصححه الألباني
 
5- قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِى السَّمَاءِ ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً) رواه البخاري (4351) ومسلم (1064)
 
 
أما قولنا بأنه مستوٍ على عرشه، فدليله:
1-  قوله تعالى : {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]
2- قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ} [الأعراف:54] ، [يونس:3] ، [الرعد:2] ، [الفرقان:59] ، [السجدة:4] ، [الحديد:4].
 
 
ثالثا: إيماتتا بهذه الأدلة:
هذه الأدلة تؤمن بها ونوردها كما جاءت من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، و(التحريف) تبديل المعنى، و (التكييف) إدّعاء كيفية أو طريقة أو شكل لذلك، و(التمثيل) اعتباره مماثلاً لشيء من خلقه، و(التعطيل) الإنكار والنفي للصِّفة.
وقال الإمام مالك رحمه الله ( الاستواء منه غير مجهول والكيف منه غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة) [روى أبو الشيخ الأصبهاني بسنده عن محمد بن النعمان بن عبد السلام]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وقول مالك من أنبل جواب وقع في هذه المسألة وأشده استيعابا؟ لأن فيه نبذ التكييف وإثبات الاستواء المعقول وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه واستحسنوه )
 
 
 
رابعا: من أشهر المذاهب المخالفة في هذا الباب:
 
1- قول من قال أن الله تعالى لا مكان له أو (كان الله ولا مكان، ثم خلق الله المكان، وهو الآن كما كان قبل خلق المكن) وهذا -والعياذ بالله- صريح برد قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}
ثم هم يقولون أنهم ينزِّهون الله عز وجل عن هذه الأقوال، وهذا القول شرّ، فالله تعالى خيرُ من وصف نفسه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خيرُ عبدٍ تأدّب مع الله وخير من نزّه الله، ومع ذلك أثبت الله تعالى ورسوله الكريم القول  بأن الله في السماء وأنه على العرش استوى، كما أسلفنا.
وليس لهم دليل شرعي سوى روايات نُسِبَت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو بعض السلف ولا تصح عنهم، وقال الحافظ ابن حجر (تَنْبِيهٌ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: “كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ” وَهِيَ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ)
ولكنهم يستندون في قولهم إلى جدل فلسفي لا أكثر، ويتركون الالتزام بقول الله تعالى ورسوله.
 
2- قول من قال بأن الله تعالى في كل مكان، وهذا قول غليظ السوء في حق الله تعالى، فقولهم أولاً لا دليل عليه ومن الكتاب والسنة الصحيحة، وثانيا فمعناه يقتضي – والعياذ بالله- أن الله موجود في أماكن القذارة وتحت الأقدام وفي أحشاء الخنازير!!، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولهذا صرّح يعضهم -كابن عربي- قائلاً “ما الكلب والخنزير إلا إلهنا”، وقال بعضهم -كالحلّاج-: “أنا الله”، تعالى الله عما يقولون، ولولا الحاجة لتبيين هذا الرأي الفاسد والتحذير منه لما اجترأت على كتابة ما كتبت مع علمي بأن ناقل الكفر ليس بكافر.
ومن أدلة هؤلاء:

  1. قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ } ، واستدلالهم بهذه الآية ليس صواباً، لأن سياق الآية صريح بأن الله تعالى يتكلم عن علمه وليس عن ذاته، كما أن كلامه عن النجوى فيه أن غاية  هذه المعيّة في الآية هي علم ما يدور بينهم من النجوى، لهذا عندما أمر موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إلى فرعون { اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}، إلى أن قال: { قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}، فسياق تلك الآيات يدل على المكانية (اذهبا) فأوضح الله تعالى نصّاً أن المعيّة هنا ليست مكانيّة وإنما هي بالعلم: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}، أما في الآية التي نتكلم عنها {مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} فكان سياقها أصلاً كان عن العلم. 
  2. واستدلوا بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فقالوا أن هذه كناية عن كونه في كل مكان. وأقول: بل هي كناية عن كونه المعبود في كل مكان، والمتصرف المدبر الرازق في كل مكان، وهذا بعيد كل البعد عن كونه موجود في كل مكان، فهو لم يقل (وهو الذي في السماء وفي الأرض)، بل قال {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} فربطها بالألوهية، فالآية واضحة لمن قرأها وهو يفهم اللغة العربية.

 
هذا والله أعلم، وأسأل الله الهداية لي وللناس أجمعين